فخر الدين الرازي
108
تفسير الرازي
الجلال ، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين . القيد الثالث : قوله : * ( وخيفة ) * وفي قراءة أخرى * ( وخفية ) * وقال الزجاج : أصلها " خوفة " فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، أقول هذا الخوف يقع على وجوه : أحدها : خوف التقصير في الأعمال . وثانيها : خوف الخاتمة . والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول : " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " . وثالثها : خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة ؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك يشم فيه رائحة العبودية . وأما القراءة الثانية : وهو قوله : * ( وخفية ) * فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام : " من عرف الله كل لسانه " . القيد الرابع : قوله : * ( ودون الجهر من القول ) * والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : * ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ) * ( الإسراء : 110 ) وقال عن زكريا عليه السلام : * ( إذ نادى ربه نداء خفياً ) * ( مريم : 3 ) قال ابن عباس : وتفسير قوله : * ( ودون الجهر من القول ) * المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه ، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سبباً لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام . والقيد الخامس : قوله : * ( بالغدو والآصال ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : في لفظ " الغدو " قولان : القول الأول : أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدواً غدوا ، ومنه قوله تعالى : * ( غدوها شهر ) * ( سبأ : 12 )